عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

192

اللباب في علوم الكتاب

قوله : قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ . قد كثر إيلاء هذه اللّفظة العوامل ، فهي جارية مجرى « الأبطح » و « الأبرق » في عدم ذكر موصوفها . وقوله : « من ربّكم » يحتمل أن يتعلق ب « جاءتكم » و « من » لابتداء الغاية مجازا ، وأن تتعلق بمحذوف ؛ لأنّها صفة بيّنة ، ولا بدّ من حذف مضاف ، أي : من بينات ربكم ليتصادق الموصوف وصفته . وهذا يدلّ على أنّ كلّ شيء كان يذكر الدلائل على صحّة التّوحيد ، ولم يكتف بالتّقليد ، وإلّا كان ذكر البينة - وهي الحجة - هاهنا لغوا . قوله : هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً أضاف النّاقة إليه على سبيل التفضيل ، كقولك : بيت اللّه ، وروح اللّه ؛ لأنّها لم تتوالد بين جمل وناقة ، بل خرجت من حجر . و « آية » نصب على الحال ؛ لأنّها بمعنى العلامة ، والعامل فيها إمّا معنى التنبيه ، وإما معنى الإشارة ، كأنّه قال : أنبهكم عليها ، وأشير إليها في هذه الحال . ويجوز أن يكون العامل مضمرا تقديره : انظروا إليها في هذه الحال ، والجملة لا محلّ لها ؛ لأنّها كالجواب لسؤال مقدّر ، كأنهم قالوا : أين آيتك ؟ فقال : هذه ناقة اللّه . وقوله : « لكم » أي : أعني لكم به ، وخصّوا بذلك ، لأنّهم هم السّائلوها ، أو المنتفعون بها من بين سائر النّاس لو أطاعوا . ويحتمل أن تكون « هذه ناقة اللّه » مفسرة لقوله : « بيّنة » ؛ لأنّ البيّنة تستدعي شيئا يتبين به المدعى ، فتكون الجملة في محل رفع على البدل ، وجاز إبدال جملة من مفرد ؛ لأنّها في قوته . فصل في إعجاز الناقة اختلفوا في وجه كون النّاقة آية : فقال بعضهم : « كانت آية بسبب خروجها بكمالها من الصخرة » « 1 » . قال القاضي « 2 » : إن صحّ هذا فهو معجز من جهات : أحدها : خروجها من الجبل . والثانية : كونها لا من ذكر وأنثى . والثالثة : كمال خلقها من غير تدريج . وقيل : إنّما كانت آية ؛ لأجل أنّ لها شرب يوم ، ولجميع ثمود شرب يوم ، واستيفاء ناقة شرب أمّة من الأمم عجيب .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 132 . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 132 .